حسن بن موسى القادري
486
شرح حكم الشيخ الأكبر
وفي هذا المقام قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : 10 ] . وفيه أيضا حديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « هذه يد اللّه ، وهذه يد عثمان « 1 » » ، وفوق هذا مقام يسمّى أحادية الجمع ومقام أو أدنى ، ولا يقف صاحب هذا المقام عند وجه من الوجوه فيظهر بكل من القريبين وبالجمع بينهما من غير تقيد بشيء من المذكورات ، وهذا المقام لخاتم الرسل وخاص به أصالة ، ويكون للكمّل حظ ونصيب منه بالوراثة وكمال المتابعة ، وإليه أشار بقوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ، فنفى ما أثبت وأثبت ما نفى مما فعلت فعلا ولا عملت عملا حقيقة حيث فعلت وعملت صورة ، ولذا يتخيل بالوهم الكاذب إنك فعلت وعملت والأمر في نفسه ليس على هذا . واعلم أن ما ذكره الشيخ من المعاني الظرف والمظروف كلاهما متلازمان متساويان يوجد كل من الصاحبين في الآخر ؛ لأنه كما يكون العزّ في الزهد ، والغناء في الفقر إلى آخره ما ذكره قدّس سرّه كذلك يكون بالعكس أي : الزهد في العز ، والفقر في الغنى ، والورع في القناعة إلى آخر ما ذكره ، فبين كلّ واحد من المعنيين التلازم بالمساواة كما في طلوع الشمس وإضاءة العالم ، فيجوز أن نجعل كلا منهم علة والآخر معلولا ، فكلما تطلع الشمس يضيء العالم ، وكلما يضيء العالم تطلع الشمس . و ( الحمد ) أي : الحقيقة المطلقة الشاملة كل حامدية ومحمودية ، وهي إظهار كمال المحمود خالص ( للّه ) أي : الذات المطلقة عن قيد الإطلاق والتجريد ؛ لأنه لا كمال جمعا وفرقا إلا له ، ولا مظهر للكمال جمعا وفرقا إلا هو ، فلا حامدا سواه ، ولا يحمد أحد إلا إياه ، فله الحامدية في كلّ رتبة ، والمحمودية لكلّ فضيلة ومنقبة على التوفيق لإتمام هذا الكتاب حال كونه ( وحده ) أي : منفردا بالكمال والفضائل والأفضال ، وصلى اللّه تعالى ، وأفاض رحمته بالتجليات على سيدنا أشرف المخلوقات ، وأفضل الكائنات هو أو صفته محمد اسمه في الأرض ، ومحمود تحت الثرى ، وأحمد في السماء الذي هو كريم من الكريم ، وقال في حقه رب العرش العظيم : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 4 ] .
--> ( 1 ) رواه النسائي ( 6 / 236 ) ، وذكره ابن حجر في فتح الباري ( 5 / 408 ) .